العلامة المجلسي
288
بحار الأنوار
وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من قصتها . وأما قوله : " لأعذبنه " أراد تعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه ، وقيل : كان عذاب سليمان عليه السلام للطير أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه ممعطا ( 1 ) لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض ، وهو أظهر الأقاويل ، وقيل : أن يطلى بالقطران ويشمس وقيل : أن يلقى للنمل تأكله ، وقيل : إيداعه القفص ، وقيل : التفريق بينه وبين إلفه وقيل : إلزامه صحبة الأضداد ، وعن بعضهم أنه قال : أضيق السجون صحبة الأضداد وقيل : حبسه مع غير جنسه ، وقيل : إلزامه خدمة أقرانه ، وقيل : تزويجه عجوزا . فان قلت : من أين حل تعذيب الهدهد ؟ قلت : يجوز أن يبيح الله له ذلك كما أباح ذبح البهائم والطيور للاكل وغيره من المنافع . حكى القزويني أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام : أريد أن تكون في ضيافتي قال : أنا وحدي ؟ قال : لابل أنت وأهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا ، فحضر سليمان بجنوده ، فطار الهدهد فاصطاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال : كلوا يا نبي الله من فاته اللحم ناله المرق ، فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا كاملا . وقال عكرمة : إنما صرف سليمان عليه السلام عن ذبح الهدهد لأنه كان بارا بوالديه ينقل الطعام إليهما فيزقهما في حالة كبرهما . قال الجاحظ : هو وفاء حفوظ ودود ، وذلك أنه إذا غابت انثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه ، فان حدث حادث أعدمه إياها لم يسفد بعدها أنثى أبدا ، ولم يزل صائحا عليها ما عاش ولم يشبع أبدا من طعم بل يناله منه ما يمسك رمحه إلى أن يشرف على الموت ، فعند ذلك ينال منه يسيرا . وفي الكامل وشعب الايمان للبيهقي : أن نافعا سأل ابن عباس فقال : سليمان عليه السلام مع ما خوله الله تعالى من الملك كيف عني بالهدهد مع صغره ؟ فقال ابن عباس : إنه احتاج إلى الماء ، والهدهد كانت الأرض له كالزجاج ، فقال ابن الأزرق
--> ( 1 ) معط الريش : نتفه .